مرض السكري وارتفاع ضغط

أصبحت الأمراض المزمنة في المملكة العربية السعودية مصدر قلق يلوح في الأفق لقطاع الرعاية الصحية في البلاد. حيث ساهم التغيير في عادات نمط الحياة والتغير في النظم الغذائية وانخفاض معدلات ممارسة الرياضة على مدى العقود القليلة الماضية في ارتفاعٍ مقلق لأمراض مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة وغيرها.

 

وفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية فإن المملكة العربية السعودية تحتل المرتبة الثانية في أعلى معدل لمرض السكري في الشرق الأوسط والسابعة عالمياً1. حيث ازدادت نسبة المرض عشرة أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية. أي أن المرض يؤثر حالياً على ما يقرب من خُمس السكان البالغين  و 50 ٪ ممن تزيد أعمارهم عن 50 عاماً2، ومن المتوقع أن تزيد هذه الأرقام عن الضعف على مدار العقد المقبل3.

 

وفقاً لإحصاءات وزارة الصحة السعودية فإن نسبة الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية تشكل 37 % من إجمالي الوفيات في المملكة. وتظهر أن ما يقرب 15 % من السكان يعانون من ارتفاع ضغط الدم، والذي يعد عامل خطر يساهم بشكل كبير في أمراض القلب والأوعية الدموية.  ويتوقع بأن تزداد هذه الأعداد بحلول عام 2030 لتتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية بوفاة أكثر من 23 مليون شخص كل عام4.

 

بالإضافة إلى ذلك تمتلك المملكة العربية السعودية أحد أعلى معدلات السمنة في العالم. حيث أن حوالي 70 % من السكان يعانون من السمنة وفقاً لجمعية الغذاء والتغذية السعودية5. وتعتبر السمنة عامل خطر للإصابة بأمراض مزمنة أخرى إلى جانب  كونها سبباً في وفاة أكثر من 20 ألف شخص  سنوياً في المملكة.

 

أن الأمراض المزمنة لها تأثير سلبي على اقتصاد الدولة بدون شك. ولمكافحة هذا الأمر أطلقت الحكومة برامج متعددة لحث المواطنين والمقيمين على عيش حياة أكثر صحة  بالإضافة إلى تبني التكنولوجيا الرقمية لدعم الوقاية من الأمراض وإدارتها.

 

 

 

الأثر الاقتصادي للأمراض المزمنة على المملكة

 

تفرض الأمراض المزمنة عبئاً اقتصادياً كبيراً على نظام الرعاية الصحية في المملكة.

 

حيث أظهرت الدراسات أن تأثير مرض السكري الاقتصادي يبلغ 4.5 مليار دولار أمريكي6. وأن متوسط إنفاق الأفراد المصابون بالسكري على خدمات الرعاية الصحية هو أعلى بعشر مرات من إنفاق غيرهم7. ومن المتوقع أن تصل قيمة سوق أدوية السكري إلى 1.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025 بينما من المتوقع أن يصل سوق أجهزة مرض السكري إلى مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025. وعلى وجه التحديد من المتوقع أن ينمو سوق أجهزة مراقبة الجلوكوز بنسبة 33٪ بحلول عام 82025.

 

ووفقاً لجمعية القلب السعودية، فإن العبء الاقتصادي لأمراض القلب والأوعية الدموية في طريقه للزيادة من 3.5 مليار دولار أمريكي في عام 2016 ليصل إلى 9.8 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2035 مع الأخذ بعين الاعتبار آثار الشيخوخة ونمو السكان9. توصلت دراسات النموذجة إلى أنه في حال تم العمل خلال هذه المدة على الحد من عوامل الخطر القابلة للمعالجة فهذا من شأنه أن يفضي لتوفير صافٍ يقدر بـ 3.7 مليار دولار أمريكي10.

 

إن الوصول إلى هدف الحد من عوامل الخطر التي حددتها منظمة الصحة العالمية يمكن أن يحقق وفورات اقتصادية إضافية وتتضمن هذه العوامل خفض ضغط الدم والسكريات في الدم، والإقلاع عن التدخين، وزيادة التمارين الرياضية، وتقليل السمنة. ففي حال تحقيق هذه الأهداف فإن ذلك يحقق للمملكة وفورات في تكلفة الرعاية الصحية والإنتاجية تقدر بقيمة 3.7 مليار دولار أمريكي ما بين عامي 2016 و 112035. كما أن مساعدة الفئات المعرضة للخطر على خفض مستويات الكوليسترول لديهم بنفس الفترة سيحقق توفير 9.5 مليار دولار أمريكي إضافية.

 

لقد حققت الحكومة السعودية بالفعل إنجازات لا تصدق في معالجة مرض السكري وارتفاع ضغط الدم في جميع أرجاء المملكة. ونتيجة للاستثمار الكبير في العقود الأخيرة توفر المملكة الآن 2.2 سرير مستشفى لكل 1000 شخص، كما ارتفع متوسط العمر من 66 عاماً إلى 74 عاماً في العقود القليلة الماضية.

 

 

 

 

 

كيف تتعامل الحكومة مع  هذين المرضين

 

منذ إطلاق رؤية المملكة العربية السعودية الاستراتيجية 2030 ، تعمل المملكة على إنشاء نظام صحي لتمكين المرضى وتعزيز الوقاية من الأمراض وتشجيع المواطنين على الاستفادة من الرعاية الأساسية. كما تهدف الحكومة إلى خفض معدلات السمنة بنسبة 3 %  وخفض انتشار مرض السكري بنسبة 10 % بحلول عام 122030.

 

ضمن خطتها لتحقيق هذه الأهداف أطلقت الحكومة مبادرات متعددة تركز على تشجيع اللياقة البدنية والرعاية الوقائية، مثل برنامج جودة الحياة 2020. كما شاركت الحكومة في اليوم العالمي لارتفاع ضغط الدم وأطلقت حملات توعوية وتثقيفية لتوعية السكان والمواطنين حول أهمية قياس ومتابعة ضغط الدم لديهم13 14.

 

خصصت وزارة الصحة يوماً وطنياً للمشي لتشجيع الناس على المشي ما لا يقل عن 8000 خطوة. ويمكن للناس المشاركة عن طريق تحميل تطبيق “صحتي “والتسجيل فيه. حيث يساعد المشي على التخلص من عوامل ارتفاع ضغط الدم مثل تقليل الكوليسترول السيئ (LDL)  ودهون الجسم الزائدة، كما يقلل من التوتر والقلق ويعزز الحالة المزاجية15. في الوقت ذاته قام الاتحاد السعودي للرياضة للجميع بإطلاق برنامج بالتعاون مع السفارة الملكية الدنماركية في المملكة وشركة نوفو نورديسك بهدف نشر الوعي وتعزيز البرامج الصحية للمواطنين والمقيمين. فالبرنامج يتضمن تحدي البالغين للمشي أو الجري لمسافة 21.1 كم، بينما يتضمن تحدي للأطفال للمشي أو الجري لمسافة 14 كم16.

 

تقوم الحكومة ببناء المزيد من البنية التحتية لدعم قطاع الرعاية الصحية. كإنشاء مراكز لمعالجة مرض السكري ومراكز رعاية السمنة لدعم علاج هذه الأمراض المزمنة وتشجيع المواطنين والمقيمين على اتباع نمط حياة صحي من حيث اعتماد عادات أكل صحية وممارسة الرياضة.

 

 

حلول رقمية وتقنية للحالات الصحية المزمنة

 

 

للصحة الرقمية والتكنولوجيا دور رئيسي في تحسين صحة الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة مثل السكريوارتفاع ضغط الدم والسمنة وغيرها. الدراسات توضح أنه حتى العاملون في قطاع الرعاية الصحية يلمسون فوائد استخدام التكنولوجيا لمساعدة المرضى على عيش حياة أكثر صحة. حيث أن 83٪ من الأطباء والممرضات في المملكة على استعداد لاستخدام الأدوات الرقمية لتسهيل رعاية المرضى المصابين بأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري17.

 

لقد ساعدت التكنولوجيا في تطوير أدوات إدارة مرض السكري التقليدية مثل قلم الأنسولين. فعلى سبيل المثال الصالحية هي الموزع الرسمي لأقلام الأنسولين مع أجهزة القياس والمراقبة والتتبع الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية وذلك لمساعدة المرضى على التزود بالأنسولين بشكل أفضل.

 

تعد تطبيقات الأجهزة المحمولة الذكية وسيلة واعدة للمرضى لإدارة أمراضهم المزمنة بأنفسهم. فقد وجدت دراسة تجريبية حديثة أن تطبيق نظام إدارة مرض السكري من النوع 2 قد أدى إلى تحسن كبير في تعامل المرضى مع حالتهم المرضية وحسّن أيضاً من جودة حياتهم18. وبالمثل وجدت دراسة تجريبية حول التحكم الذاتي في ارتفاع ضغط الدم باستخدام تطبيق للجوال أن المرضى أكثر نجاحاً في تتبع الإجهاد وضغط الدم والأدوية عند استخدام التطبيق19.

 

بالإضافة إلى تطبيقات الأجهزة المحمولة، قامت المملكة بتبني تقنيات أكثر تقدماً لمعالجة الأمراض المزمنة مثل الأجهزة القابلة للارتداء وتقنية الذكاء الاصطناعي وسلسلة الكتل وإنترنت الأشياء. ففي بداية عام 2021 أعلنت شركة داياجنوس إنك  Diagnos Inc.  أنها بدأت بنشر تحليل شبكية العين المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتشخيص مرض السكري في المجتمعات النائية، مما يساعد أولئك الذين يعانون من نقص في الوصول إلى الرعاية الصحية على معالجة ظروفهم الصحية بشكل أفضل20. بالإضافة إلى ذلك فقد طورت شركة نيماورا ميديكل Nemaura Medical وهي شركة طبية مقرها المملكة المتحدة جهازاً يمكن ارتداؤه لتتبع مرض السكري والذي يساعد مرضى السكر على تتبع مستويات الجلوكوز في الدم لديهم، وتعد الشركة المملكة السعودية جزءاً من خطها الدولية للتوسع21. هذه الأنواع من الجهود ستساعد المملكة على تحقيق فوائد كبيرة فمن خلال التشخيص المبكر للأمراض ومراقبة المرضى عن بعد ستوفر مجموعات من البيانات الغنية التي سيقدم تحليلها رؤى صحية قابلة للتنفيذ على مستوى السكان وتحسين إدارة حالات المرضى بشكل عام22.

 

 

 

 

مستقبل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم في المملكة العربية السعودية

 

لقد كانت الجهود المبذولة لإدارة الأمراض المزمنة في المملكة مثمرة، ولكن لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به لاحتواء الأثر السلبي لهذه الأمراض الآن وفي المستقبل.

 

وقد دعت منظمة الصحة العالمية إلى إنشاء إطار عمل منهجي لمعالجة الصحة الأيضية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فالتعاون على مستوى الدولة أو المستوى الإقليمي يساعد في دفع التغيير وسيكون فرصة للمملكة العربية السعودية لإظهار ريادتها في المنطقة23.

 

تساعد أهداف رؤية 2030 في الحد من تأثير مرض السكري وارتفاع ضغط الدم داخل المملكة. فعلى سبيل المثال ستصبح المملكة قريباً واحدة من أسرع أسواق الصحة الرقمية نمواً في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي24. حيث بلغ تبني الخدمات الصحية عن بعد 70 % تقريباً. كما أن ما يقارب الـ 34 % من الأطباء الشباب يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتسهيل التشخيص. وقد خصصت الحكومة ما يقرب من 1.5 مليار دولار أمريكي لدعم تكنولوجيا المعلومات في قطاع الرعاية الصحية وبرامج التحول الرقمي. وأنشأت وزارة الصحة استراتيجية للصحة الإلكترونية ستستخدم التطبيب عن بعد لتحسين إمكانية وصول المرضى إلى رعاية ذات جودة في المناطق النائية والتي لا تتوفر الخدمات المتخصصة للأمراض المزمنة ضمنها25.

 

 

بالإضافة إلى ذلك تم تحويل ما بين 25٪ و 35٪ من إجمالي ميزانية الرعاية الصحية في المملكة إلى معالجة أمراض السكري والسمنة والقلب والأوعية الدموية بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم.

 

أخيراً، هناك دور أكبر يمكن للقطاع الخاص أن يقوم به لسد فجوة العرض والطلب في البنية التحتية وخدمات الرعاية الصحية. وسيكون لزيادة استثمارات القطاع الخاص في مجال حلول تكنولوجيا المعلومات للرعاية الصحية للمؤسسات والأجهزة الطبية المتصلة بقدرات الذكاء الاصطناعي وتصنيع الأدوية والأجهزة دوراً رئيسياً في التأثير الإيجابي على الإدارة طويلة المدى للأمراض المزمنة في المملكة.

 

 

المراجع

1-   https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/26206092/#:~:text=The%20World%20Health%20Organization%20(WHO,3%20million%20have%20pre%2Ddiabetes.

2-   https://www.eyeofriyadh.com/news/newsdetail.php?newsid=81923

3-   https://www.eurekaselect.com/node/186818/article/current-status-of-knowledge-and-awareness-of-diabetes-mellitus-in-saudi-arabia

4-   https://gulfnews.com/world/gulf/saudi/saudi-arabia-cardiovascular-diseases-account-for-37-of-all-deaths-1.74032111

5-   https://english.alarabiya.net/life-style/healthy-living/2018/02/04/Saudi-Arabia-to-sponsor-weight-loss-surgeries-to-fight-obesity

6-   https://www.longdom.org/open-access/cost-of-diabetes-in-the-kingdom-of-saudi-arabia-2014-2155-6156-1000575.pdf

7-    https://applications.emro.who.int/imemrf/J_Fam_Community_Med/J_Fam_Community_Med_2013_20_1_1_7.pdf

8-   https://www.google.com/url?q=https://www.prnewswire.com/news-releases/saudi-arabia-diabetes–market-outlook-2025-focus-on-drug–insulin-delivery-devices-availability-price–sales-analysis-301128390.html&sa=D&source=editors&ust=1630454817035000&usg=AOvVaw1yzZpiWNdqLRiha7Hu8vGD

9-   https://www.hindawi.com/journals/ijhy/2019/6019401/

10-   https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1016731518301660

11-   https://www.conferenceboard.ca/e-library/abstract.aspx?did=10922

12-   https://www.globalhealthsaudi.com/en/overview/saudi-news/Top-priorities-in-KSAs-healthcare-sector.html

13-   https://www.spa.gov.sa/viewfullstory.php?lang=en&newsid=2228641

14-   https://www.moh.gov.sa/en/HealthAwareness/healthDay/2020/Pages/HealthDay-2020-05-17.aspx

15-   https://www.arabnews.com/node/1820626/saudi-arabia

16-   https://www.arabnews.com/node/1759801/saudi-arabia

17-   https://mededu.jmir.org/2021/1/e18590/

18-   https://www.researchgate.net/publication/306521711_A_mobile_diabetes_management_and_educational_system_for_type-2_diabetics_in_Saudi_Arabia_SAED

19-   https://mhealth.jmir.org/2021/2/e24177

20-   https://www.globenewswire.com/news-release/2021/02/02/2168340/0/en/DIAGNOS-Announces-Further-Deployment-of-its-AI-based-CARA -Technology-in-Saudi-Arabia.html

21-   https://www.arabnews.com/node/1858216/business-economy

22-   https://www.arabnews.com/node/1882261

23-   https://www.weforum.org/agenda/2021/06/food-health-why-the-world-needs-a-metabolic-reset/

24-   https://www.globalhealthsaudi.com/en/overview/saudi-news/Top-priorities-in-KSAs-healthcare-sector.html

25-   https://www.globalhealthsaudi.com/en/overview/saudi-news/Top-priorities-in-KSAs-healthcare-sector.html